()
 

الارتباط بين العبادة والعمل في رمضان
بقلم/علي عبده الألمعي

مع مضي الأيام وتسابق الساعات في هذا الشهر الكريم تتقوى علاقة الإنسان المسلم بربه،وينطلق في المحافظة على شعائره،واجتناب نواهيه،والسعي إلى عبادته وطلب مغفرته خوفا من عقابه،وطمعا في رضاه،فيراجع مواقفه تجاه ماقدمه في حياته من أعمال،ومااقترفه من ذنوب،منطلق في ذلك من مفهوم العبادة لله تعالى التي هي كمال طاعته،والتي هي اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال،والأفكار والمشاعر والعواطف في جميع الميادين الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية،هذه العبادة التي تعد العلة الرئيسية للخلق والإيجاد،قال تعالى:(وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[الذاريات:56] الخلق الذي لايقتصر على الإيجاد فقط وإنما يشتمل أيضاً على التكوين والتصميم للقيام بالوظائف والممارسات التي توجه إليها العبادة بمظاهرها الدينية والاجتماعية والكونية عبر أطوار الوجود الثلاثة:طور النشأة والحياة والمصير،وبالدعوة للعبادة جاء جميع رسل الله عليهم السلام قال تعالى:(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن أعبدوا الله)[النحل:36].كما قال تعالى:(وماأرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)[الأنبياء:25].فقد جاء بها نوح عليه السلام،قال تعالى:(ولقد أرسلنا نوح إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله)[المؤمنون:23]،وجاء بها إبراهيم عليه السلام،قال تعالى:(وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه)[النعكبوت:16]وجاء بها هود عليه السلام،قال تعالى:(وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله)[الأعراف:65] وجاء بها صالح عليه السلام قال تعالى:(وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله)[الأعراف:73]وجاء بها شعيب عليه السلام قال تعالى:(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله) [هود:84]وجاء بها المسيح عليه السلام قال تعالى:(وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم)[المائدة:72]وبها جاء خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة قال تعالى:(ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم)[البقرة:21].

فالعبادة تعد منطلق ومصدر الخير لكل الرسالات الإلهية كونها تلبي مجموعة من الحاجات الإنسانية الأساسية والفرعية فهي تلبي الحاجة إلى الخلود في نفس الإنسان والتي أوتي آدم عليه السلام من قبل إبليس حين بدأه القول:(هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلى) .

يقول الدكتور ماجد الكيلاني في ذلك:"الإنسان يعمل على تلبية هذه الحاجة بوسائل عديدة منها: محاولة إطالة عمره بالرعاية الغذائية والصحية،والمحافظة على النسل والذرية،إلى أن تبدأ فيه مظاهر الشيخوخة فيأتي من الأفعال وتغيير الأشكال مايوهمه بأنه ما زال يملك مؤهلات الحياة بعيدا عن نهاية الفناء،ولكن تبقى علاقة العبادة هي الوسيلة الوحيدة التي تلبي حاجة الإنسان في الخلود.فهي التي تهون له مظاهر الموت وتنزع عنها هالات الاضطراب وتقدمها كحلقة في سلسلة التطور الإنساني المفضي إلى الخلود والكمال في عالم الآخر القادم بمافيه من النعيم والحياة السعيدة الخالدة.

كذلك العبادة تقدم حاجة الحب والاحترام بين الإنسان المسلم ومجتمعه في دوائر أوسع ومحاور اشمل تشمل المظاهر الفكرية والنفسية والمادية التي تتمثل في أشكال عديدة من الأخوة الإيمانية والمودة الاجتماعية والتراحم الإنساني،وحاجة الانتماء التي تجعله إلى الله وحده،فتتوحد محاور الولاء عند الإنسان المسلم في محور واحد،وتمتزج دوائر الانتماء في دائرة واحدة،الأمر الذي يفرز الوئام والسلام والمحبة في حياة الإنسان فيتخطي الحياة الفردية،ويسعى للتعايش مع مجتمعه،والتغلب على عزلته.

وحري بالإنسان المسلم وهو في قرب نهاية هذا الشهر الكريم أن يكثر من الدعاء والاستغفار،وطلب الرحمة،والتقرب إلى الله تعالى بالصدقة،وإخراج الزكاة،وصلة الرحم،وزيارة المرضى والتخفيف عنهم،أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وكل عام وأنتم بخير.
 
English