()
 

رمضان ... وتهذيب النفوس
بقلم/علي عبده الألمعي

يعد الصوم من أقوى العبادات على تهذيب النفوس،والسمو بالأرواح،وإعداد النفوس وتهيئتها على تقوى الله تعالى،ومراقبته،وفيه تربية لقوة الإرادة عند الإنسان المسلم على كبح جماح شهواته،وأنانية النفوس ليقوى صاحبها على ترك مايضره من مألوفاته أكلاً وشرباً وقولاً وعملاً،فيحبس لسانه عن اللغو والسباب والانطلاق في أعراض الناس،والسعي بينهم بالغيبة والنمية المفسدة،فيكون قوي الإرادة في الصبر على ماحرمه الله،ومايضره في بدنه أوماله،كما أنه يجعله قوي الإرادة في الإقدام على امتثال أوامر الله،والمسارعة في فعل الخيرات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة على وجهها الصحيح وجهاتها المشروعة،ويجتهد في بذل الصدقات وفعل المشاريع النافعة،ويحرص على تحصيل لقمة العيش من الوجه الحلال،وإذا نسي أوغلبته نفسه على فعل معصية،ذكر الله سريعاً فأناب إليه واستغفر وتاب مما أصاب،مراقبة لله وخشية منه،قال صلى الله عليه وسلم:(من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

يقول الشيخ عبدالرحمن الدوسري – رحمه الله - :الصوم خير تربية للإنسان على القوة العامة في كل شىء،وعلى فضائل الصرامة في القول والإخلاص في العمل،وعلى الجد والحزم ورباطة الجأش بقوة العزم.

فالصوم تربية ربانية للإنسان المسلم تعلمه الصبر وتعوده على احتمال الشدائد،والجلد أمام العقبات ومصاعب الأحداث ومتاعب الحياة خاصة في ظل مانعيشه هذه الأيام من تسارع في الزمن،وكثرة في الالتزامات الأسرية والاجتماعية والوظيفية التي تجعل وقت الإنسان مشغولا باستمرار.

كما ان الصوم يمحو سلطان المادة وطغيانها على النفوس،ويجعل سلطان الروح هو الغالب في حياة المسلم فتزكيه بالفضائل الطيبة،والمعنويات السامية التي يحصل بها الإخاء الإنساني والمحبة الروحية بين أفراد المجتمع،ويتحقق بها التعاون بين الأفراد والجماعات،كل ذلك ناتج من التشريعات الإسلامية التي تنير للمسلم حياته ومآله.

وبما أن المؤمنين عرضة – كغيرهم من البشر- للكوارث والمحن،ونوائب الزمن،فأنهم مطالبون في هذا الزمن المتسارع الخطى والتقلبات والأحداث أكثر من غيره بالجهاد الداخلي الذي لايتحقق إلا بمجاهدة النفس وتصبيرها على طاعة الله وعلى أقداره،وتصبيرها على الوقوف على حدود الله في كل ورد وصدر،فكل التشريعات الإسلامية وفي مقدمتها الصوم تعد تربية للروح والجسد،وتزكية للضمير،ليستطيع الإنسان المسلم التغلب على نفسه،لأنه إذا تُرِكَ على طباعه من تنازع الرغبات في نفسه،وماأودع فيها من إيثار الراحة واللذة العاجلة،ولم يشد أزره بإرشاد إلهي،وتعاليم روحية يؤمن بها،ويثق بحسن نتائجها،ويطمئن إليها،عجز كاهله عن حمل أعباء الحياة الصعبة،وخارت قواه أمام ملذاتها،وذاب احتماله في مواجهة طلباتها،مما يفقد به الاستعداد لتحصيل الشخصية المعنوية المستقرة التي تجعل من حياته سعادة وصلاح وأجر.

وختاما: فإن شهر رمضان المبارك فرصة للآباء والأمهات في تعويد أبناؤهم وبناتهم على أن يكون الصوم عبادة لله وتهذيبا للنفوس،وأن يكون عن إيمان واحتساب وضبط وتعظيم لشعائر الله،لاعن تقليد ومسايرة،وقتل للأوقات بالنوم والكسل،فقد روى الشيخان إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه). وكل عام وأنتم بخير.
 

English