()
 

الفلسفة في ضوء الإسلام
بقلم/علي بن عبده الألمعي
المشرف العام على موقع منبر التربيةwww.minbr.com

تناول الأستاذ ساري الزهراني في عموده (صريف الحرف) على مدى حلقتين لموضوع بعنوان:الفلسفة.. غائبة أم مغيّبة ؟!وكان مماطرحه المطالبة بإعمال الفكر، وإطلاق العنان؛ نحو أفقٍ أرحب تتجلى فيه لغة العقل والمنطق،كما ذهب إلى أن المسلمين لم يكن لهم رؤيةُ واضحة لماهية الفلسفة: مفهومًا، وآليات وأدوات؛إلا من ومضات، تتشكّل في ثناياها بعدًا فلسفيًا كما هو الحال في ( رسائل أخوان الصفا )، أولدى بعض المتكلّمة خاصة من المعتزلة .? مستغربا من عدم وجود قسم يحمل اسم الفلسفة في جامعتنا،ومشاركة في مناقشة هذه القضية حول "الفلسفة" أقول أن سلفنا الصالح من المسلمين، كانوا أشد الناس إيماناً بالعقل وعناية بثماره، وما ذلك التراث الهائل المماثل للجبال الذي خلفوه لنا إلا دليلا على ذلك، كانوا –عليهم رحمة الله – يرون أن الإسلام يدعو إلى المعرفة، ويرشد إلى سلوك المنهج الأقوم للعلم النافع، ولم يمنعهم الخلاف مع رأي أومذهب أن يدرسوه وأن يقفوا على حقائقه ومصادره، وإلا كيف استطاع رجل "مثل ابن تيمية" –رحمه الله - أن يرد على منطق اليونان، دون أن يكون قد درسه دراسة دقيقة، كما صرح هو بذلك في مقدمة كتابه "الرد على المنطقيين".والفكر الفلسفي الذي يرى الأخ ساري أننا نفتقر إليه يعد من القضايا الجدلية التي دار حولها النقاش بين علماء المسلمين منذ عدة قرون بعد أن تأثر به الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من العلماء، وكان منطلق هذا الجدل أو النقاش أن هذا الفكر يوناني المنشأ مر بثلاث مراحل الأولى:ماقبل سقراط، وفيها نشأت الفلسفة، والثانية:من ظهور السوفسطائيين إلى آخر عهد أرسطو، والثالثة مابعد أرسطو حتى بداية العصور الوسطى، وتنحدر كلمة" الفلسفة" من أصل يوناني يقصد بها "حب الحكمة"، أو"إيثار الحكمة" وهذا التعريف مأخوذ من اشتقاق اسمها:philosophy الذي يتركب أساساً في اليونانية من مقطعين ،فيلو:philo = محبة. وسوفيا:Sophia = حكمة.وقد حصر معجم"لالاند"والمعجم الفلسفي عددا من معاني الفلسفة فعرفها أرسطو بأنها"العلم بالموجود بماهو موجود،أي من حيث هو" أوهي"معرفة الأمور الإلهية والإنسانية"، ويعرفها البعض بأنها: " البحث عن الحق والحقيقة، أو محاولة معرفة الموجودات على ما هي عليه بقد الإمكان، أو أنها التساؤل عن قيمة كل ما يحيط بالإنسان في الكون والحياة، أو هي العلم الذي يبحث في الحقائق والمبادئ المتصلة بطبيعة الكون والحياة والإنسان وبوجود خالق الكون والحياة والإنسان" ،وفي العصور الحديثة عرفت الفلسفة بأنها" دراسة المبادئ الأولى، التي تفسر المعرفة تفسيراً عقلياً، كفلسفة العلوم،وفلسفة الأخلاق،وفلسفة التاريخ".وكل ماسبق يميل بالفلسفة نحو نظرية المعرفة.

والفلسفة تُعنى بدراسة ثلاثة أمورٍ رئيسية تتمثل في (منظومة القيم، الوجود وأسراره وغاياته،المعرفة وأدواتها ومصادرها)، وتعمل الفلسفة على دراسة المبادئ الأولى وتفسير المعرفة تفسيرًا عقليًا، كما أن أدواتها لتحديد هذه العناصر الثلاث تتمثل في البحث والتأمل والتحليل العقلي الذي لا يقبل التسليم والقبول دون مناقشة، والتجريب ليس منهجاً ملائماً للفلسفة، كما أن الظنية والشك من ركائز العلوم الفلسفية إذ أنها لا تقرّ الاستمرارية في قناعة أو رأي مهما كان مصدرة، ومن أجل ذلك حذر العلماء من خطورتها على الشريعة الإسلامية.يقول عنها المحدث ابن الصلاح"ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماءها،حيث لامنطق ولافلسفة ولافلاسفة"، كما أجمل الدكتور المشرف حصر بعض المحاذير من استخدام "الفلسفة" في المجتمع الإسلامي إلى الأسباب التالية:

1-أن التبعية في إخضاع قضايا أساسية في المعتقد الإسلامي تحت مظلة مفهوم الفلسفة الذي يعدها نتاج تحليل تأملي بشري قابل للتغير، قد ينعكس سلباً على صفة اليقينية المطلقة التي يجب أن تكون سمة لهذه المعتقدات.وبناء على ذلك فإن تفريغ كلمة الفلسفة من المضامين العقدية يتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الكلمة ومدلولاتها، ولذا فإن استخدامها للتدليل على مضامين لا تناقش قضايا في العقيدة قد يخرجها عن مفهوم "فلسفة" إلى مفاهيم أخرى.

2- ارتبطت "الفلسفة" في التأريخ الإسلامي بأمرين أولهما: التبعية الفكرية للإرث اليوناني سابقاً والغربي حاضراً، وثانيهما:التمرد الفكري على النصوص القطعية الثبوت بدعوى التحررية ـ التي هي في حقيقتها انفلات من الضوابط الشرعية التي تشكل حماية العقل المسلم من الخوض في أمورٍ وصفها الإمام ابن تيمية بأنها "لا يفهمها البليد ولا ينتفع بها للبيب".لذا فإن المشكلة لا تكمن في المصطلح ذاته فقط،بل تنبع أيضًا من الهيكل التنظيمي للمعرفة والفكر الذي تنتمي له، والذي لا يتيح المجال لعالم الغيب أن يوجهه هو نحو عالم الحقيقة.

وقد تأثر بعض علماء المسلمين المعاصرين بالفلسفة،وأيدوا إمكانية استخدامها والاستفادة من مدلولها ومنهم الدكتور عبداللطيف العبد الذي عرفها بأنها:"منهج ينظم به الإنسان تفكيره وعمله وحياته،في عمق ودقة وإتقان"، وعليه يرى أنه يجب أن تفهم الفلسفة بالمعنى الواسع لها:

فهي أولاً: نظرة شاملة إلى هذه الحياة في مجموعها.

وهي ثانياً: حلّ للمشكلات التي تتوسط بين الدين العلم.

وهي ثالثاً: الآراء التي تنتهي إلى العمل والسلوك،مادامت سنة الحياة هي الحركة والنمو والإبداع.

وإذا كانت الفلسفة مأخوذة من محبة الحكمة، أوإيثار الحكمة، فإن ذلك يستدعي تحديد المراد بهذه الحكمة نظريا وعلمياً. فقد ورد لفظ"الحكمة" في القرآن الكريم حوالي عشرين مرة، كما ورد لفظ "الحكيم" مايقرب من سبع وتسعين مرة، وهذا اللفظ الأخير جاء في القرآن الكريم: إما وصفا لله تعالى، وهو الغالب وإما وصفا للقرآن الكريم نفسه،وقد فسرت "الحكمة" في القرآن الكريم بأنها هي السنة،وذكر ابن القيم أن السلف أجمعوا على ذلك، في مثل قوله تعالى:(ويعلمهم الكتاب والحكمة).[ الجمعة:2]،كما فسر مجاهد "الحكمة" بأنها العقل والفقه والعلم والإصابة في القول في غير نبوة، وذلك في مثل قوله تعالى:(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) [البقرة:269]. وماقيل في معنى الحكمة في القرآن الكريم، يمكن أن ينسحب على لفظ الحكمة في السنة النبوية، التي جاءت تفضل الحكمة وترغب فيها، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:(الكلمة الحكمة ضالة المؤمن)، وقوله صلى الله عليه وسلم:(وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها). مع الإشارة إلى أن لفظ "حكمة" لايطابق تماما لفظ "فلسفة" فإذا دلت "الحكمة" على التجربة والخبرة، والنصح،والفقه ،والسلوك القويم،فإن "الفلسفة"تدل على المذاهب النظرية، والقضايا الفكرية التي اجتهد العقل الإنساني في تأملها.

كذلك جوز بعض العلماء استعمال كلمة "الفلسفة" في اللغة العربية ومنهم الدكتور الكيلاني الذي أورد بعض المبررات التي تجيز استعمالها في اللغة العربية مادامت من أصل يوناني غير عربي،منها:

1- أن المصطلح قدر تحدر في اللغة العربية منذ قرون وشاع عالمياً في القرن الحالي، والمفكر الذي يتأسى خطى الرسول صلى الله عليه وسلم مدعو أن يخطاب قومه بلسانهم، وقومنا –الآن في قرية الكرة الأرضية- هم العالم كله.

2- معيار القرآن والسنة.فالقرآن لم يقتصر على الألفاظ العاربة، وإنما اشتمل أيضاً على الألفاظ المستعربة التي تعربت خلال التفاعل بين اللغة العربية واللغات الأخرى. وقد ذكر الإمام الطبري في مقدمة تفسيره –جامع البيان- مقاييس جواز استعمال الألفاظ غير العربية وهي:

(أ)- المقياس الأول:أن يشيع استعمال الكلمة بين الناطقين بالعربية.

(ب)- المقياس الثاني:أن يمر عليها زمان طويل.

(ج)- المقياس الثالث:أن يعرف العربي ماتشير إليه الكلمة المعربة.

3- أن الألفاظ لاتقوم بحروفها ومصادرها،وإنما بدلالاتها الفكرية.وكلمة"فلسفة" مثل كلمة"دين" التي تطلق على الدين الحق، وعلى الدين الوثني الخاطئ، ويرتبط بهذا المعيار وجوب التمييز بين الفلسفة كطريقة تفكير،والفلسفة كمنظومة من المفاهيم والمعتقدات.فالفلسفة كطريقة تفكير تؤكد على خطوات التفكير العلمي والجدلية – أي الحوار الدائم- مع عناصر الكون المحيط، وهذا موضوع يندرج تحت -التفكر في خلق السموات والأرض الذي يحض القرآن الكريم عليه، ويجعله من صفات الراسخين في العلم الذين ينتهي بهم التفكر للقول:ربنا ماخلقت هذا باطلاً سبحانك! وهذا ماأرى أنه يقصده الأستاذ ساري الزهراني.

أما الفلسفة كمنظومة من المفاهيم والمعتقدات، فهذه تحتوي على مجموعة من التصورات المتعلقة بالخالق والإسلام والإنسان والكون والحياة والمصير،وهذه عرضة للصواب والخطأ، وفيها وقعت أخطاء وضلالات كثيرة، منها ماقام به علماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة من تفسير تعاليم الإسلام، وصفات الله عزوجل وتأويلها تأويلاً عقليا فلسفياً، بقصد تسخير الفلسفة للبرهان على الدين والتعريف به؛ وهذا غير مقبول لأن الدين أعظم من أن يبرهن عليه بالمنطق والفلسفة. يقول الدكتور محمد كمال جعفر:"ولم يشتد الصراع بين الإسلام وبين هذا الفكر(الفلسفي)إلا عندما تعرض هذا الفكر للمشاكل الميتافيزيقية،التي تمس حقيقة التعاليم التي ورد بها الدين،كالألوهية والحق وما إليها، وبطبيعة الحال لايمكن أن يتوقع الإنسان اتفاق النتائج التي يصل إليها مثل هذا الفكر(الفلسفي)،مع المبادئ الدينية".

لذا يجب التمييز بين فلسفة الحياة وفلسفة العلم،فالنوع الأول يناقش قضايا الوجود الأساسية وقيم الاجتماع الإنساني، ويمكن أن يتسرب الخطأ إليه، فيحصل خلط الفلسفة بالدين مما يضر بالدين ويعرض عقائده إلى مناقشات العقل ومناقضاته. أما النوع الثاني من الفلسفة فهي تناقش الأهداف العامة للعلم ومناهجه والأسس التي يقوم عليها والنتائج التي تتولد من تطبيقاتها العلمية وهكذا.ومن أمثلة هذا النوع:فلسفة الرياضيات،وفلسفة التاريخ،وفلسفة التربية.

وللحديث بقية –إن شاء الله - حول أوجه الاتفاق والاختلاف بين الفلسفة والعلم،ومناهج الفلسفة،وانفصال العلوم عن الفلسفة، ونظرية المعرفة لدى الفلاسفة،والفلسفة الواقعية،وأبرز آراء العلماء في المملكة العربية السعودية حول الفلسفة
 

English